العيني
179
عمدة القاري
قلت : معناه : ورجل يحب غيره في الله ، والمحبة أمر نسبي فلا بد لها من المنتسبين ، فلذلك قال : رجلان . قوله : ( في الله ) أي : لأجل الله لا لغرض دنياوي ، وكلمة : في ، قد تجيء للسببية ، كما في قوله ، صلى الله عليه وسلم : ( في النفس المؤمنة مائة إبل ) ، أي : بسبب قتل النفس المؤمنة ، ووقع في رواية حماد بن زيد : ( ورجلان قال كل منهما للآخر : إني أحبك في الله ، فصدرا على ذلك ) . قوله : ( اجتمعا على ذلك ) أي : على الحب في الله ، وفي رواية الكشميهني : ( اجتمعا عليه ) أي : على الحب المذكور ، وكذلك الضمير في عليه ، يعني : كان سبب اجتماعهما حب الله والاستمرار عليه حتى تفرقا من مجلسهما ، كذا قاله الكرماني ، ولا يحتاج إلى قوله : حتى تفرقا من مجلسهما ، بل المعنى : أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي ، سواء اجتمعا حقيقة أو لا ، حتى فرق بينهما الموت . قوله : ( ورجل طلبته ) أي : والخامس : رجل طلبته امرأة ، وفي رواية أحمد عن يحيى القطان : ( دعته امرأة ) ، وكذا في رواية كريمة ، ولمسلم وللبخاري أيضا في الحدود : عن ابن المبارك ، وزاد ابن المبارك : ( إلى نفسها ) ، وفي رواية البيهقي في ( شعب الإيمان ) ، من طريق أبي صالح : عن أبي هريرة : ( فعرضت نفسها عليه ) ، وظاهر الكلام أنها دعته إلى الفاحشة ، وبه جزم القرطبي . وقيل : يحتمل أن تكون طلبته إلى التزويج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها ، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها ، والأول أظهر لوجود قرائن عليه . قوله : ( ذات منصب ) المنصب ، بكسر الصاد : الحسب والنسب الشريف . قال الجوهري : المنصب الأصل ، وكذلك النصاب ، وإنما خصصها بالذكر لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها ، وهي طالبة لذلك وقد أغنت عن مراودته . قوله : ( فقال : إني أخاف الله ) ، زاد في رواية كريمة : ( رب العالمين ) ، وقال القاضي عياض : يحتمل أن يقول ذلك بلسانه زجرا لها عن الفاحشة ، ويحتمل أن يقول بقلبه لزجر نفسه . قال القرطبي : إنما يصدر ذلك عن شدة الخوف من الله والصبر عنها لخوف الله من أكمل المراتب وأعظم الطاعات . قوله : ( ورجل تصدق ) أي : والسادس : رجل تصدق أخفى ، بلفظ الماضي ، وهو جملة وقعت حالاً بتقدير : قد ، ومفعول : أخفى ، محذوف أي : أخفى الصدقة ، ووقع في رواية أحمد : ( تصدق فأخفى ) ، وكذا في رواية البخاري في الزكاة : عن مسدد عن يحيى ( تصدق بصدقة فأخفاها ) ، ومثله لمالك في ( الموطأ ) . ووقع في رواية الأصيلي : ( تصدق إخفاء ) ، بكسر الهمزة ممدودا على أنه مصدر منصوب ، على أنه حال بمعنى مخفيا . قوله : ( حتى لا تعلم ) ، بضم الميم وفتحها ، نحو : مرض حتى لا يرجونه ، وسرت حتى تغيب الشمس . قوله : ( شماله ) ، مرفوع لأنه فاعل لقوله : ( لا تعلم ) . قوله : ( ما تنفق يمينه ) ، جملة في محل النصب على أنها مفعول ، وإنما ذكر اليمين والشمال للمبالغة في الإخفاء والإسرار بالصدقة ، وضرب المثل بهما لقرب اليمين من الشمال ولملازمتهما ، ومعناه : لو قدرت الشمال رجلاً متيقظا لما علم صدقة اليمين لمبالغته في الإخفاء . وقيل : المراد مَنْ على شماله من الناس . ثم إعلم أن أكثر الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره : ( حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ) ، ووقع في ( صحيح مسلم ) مقلوبا ، وهو : حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله . وقال عياض : هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من ( صحيح مسلم ) مقلوبا ، والصواب الأول قلت : لأن السُّنَّة المعهودة إعطاء الصدقة باليمين ، وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة : باب الصدقة باليمين ، قال : ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم ، وقال بعضهم : ليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه ، بل هو من شيخه أو شيخ شيخه : يحيى القطان ، وقد طول الكلام فيه ، ولا ينكر الوهم من مسلم ولا ممن هو دونه أو فوقه ، ويمكن أن يكون هذا القلب من الكاتب واستمرت الرواة عليه . قوله : ( ورجل ) أي : والسابع : رجل ذكر الله خاليا ، أي : من الخلق ، لأنه حينئذ يكون أبعد من الرياء ، وقيل : خاليا من الالتفات إلى غيره تعالى ، ولو كان في الملأ ، ويؤيده رواية البيهقي ( ذكر الله بين يديه ) ، ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد بن زيد : ( ذكر الله في خلاء ) ، أي : في موضع خال ، وقال بعضهم : ( ذكر الله ) أي : بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر قلت : ليس كذلك ، لأن الذكر بالقلب من : الذكر ، بضم الذال ، وباللسان من : الذكر ، بكسر الذال ، وأيضا لفظ : ذكر بلا قيد ، ولا يكون مشتقا من التذكر ، فمن له يد في علم التصريف يفهم هذا . قوله : ( ففاضت عيناه ) ، وإنما أسند الفيض إلى العين مع أن العين لا تفيض ، لأن الفائض هو الدمع ، مبالغة كأنها هي الفائض ، وذلك كقوله : * ( وترى أعينهم تفيض من الدمع ) * ( المائدة : 83 ) . وقال القرطبي : وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما ينكشف له ، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله ، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه ، ويشهد للأول ما رواه الجوزقي من رواية حماد بن زيد : ( ففاضت عيناه من خشية الله ) .